أسئلة محظورة! أولها لماذا خلقنا الله؟

أسئلة حرام نفكر فيها! .. لماذا خلقنا الله؟ ومنذ متى وهو موجود؟ (من سلسلة حمادة ومخمخ)

مقدمة: فزاعة “حرام تفكر” في مواجهة “أفلا تعقلون” صراع العقل والنقل

في موروثنا الشعبي، هناك دائماً منطقة محظورة محاطة بأسلاك شائكة مكتوب عليها: “أسئلة حرام”. بمجرد أن يقترب عقلك منها، تنطلق رسائل الإنذار في وجهك: “استغفر الله! اللي يفكر في الحاجات دي يكفر.. أو يتجنن!”.

المفارقة العجيبة أن هذا الإرهاب الفكري يناقض صريح النص القرآني الذي لم يترك ظاهرة إلا ودعانا لتشريحها بالعقل: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾، ﴿أَفَلَا يَتَفَكَّرُونَ﴾. الله خلق عقولنا على البحث عن “السبب والعلة” لم يضع لنا هذا الأداة المذهلة لنغلقها بالضبة والمفتاح خوفاً من الحقيقة.

اليوم، سنقتحم حقل الألغام هذا بصحبة صديقينا: “حمادة” (الممثل للاتجاه السائد والموروث المتحفظ)، و“مخمخ” (الباحث عن المنطق والتدبر خارج الصندوق)، لنفكك أخطر سؤالين في المعتقدات الدينية.

السؤال الأول: هو ربنا خلقنا ليه؟ (حوار حمادة ومخمخ)

مخمخ: ألا قوللي يا حمادة، هو ربنا خلقنا ليه؟ سؤال بريء أهو من غير فزلكة.

حمادة: يا ابني ده سؤال إجابته معروفة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. ربنا خلقنا عشان نعبده ونعمر الأرض، حكمة واضحة وضوح الشمس.

مخمخ: نعبده؟ طيب كمل الايه اللي بعدها ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ ثم الملايكة بتعبد ليل نهار وما بتشتكيش، وما بيعصوش ربنا نهائي. إيه فايدة كائن مليان عيوب وشهوات وبيتخانق على كيلو السكر عشان يعبده؟ وبعدين، هو أصلا ربنا محتاج عبادتنا دي في حاجة؟ مش هو ﴿غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾؟ والقرآن بينفي العبث بوضوح:  ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾.. يعني هو سبحانه لا يحتاج لتقدير ومش خالقنا يتسلى بينا!

حمادة: استغفر الله العظيم.. يا مخمخ ربنا مش محتاجنا طبعاً، العبادة دي منفعتها لينا إحنا عشان نرتقي وننول الجنة. الفلسفات الدينية التانية زي المسيحية بتقولك ربنا خلقنا بدافع “المحبة”، عشان يشاركنا نعمته ووجوده.

مخمخ: محبة إيه بس يا حمادة؟ هو اللي بيحب حد ينزله في كوكب مليان حروب وأمراض وسفك دماء وهو عارف مقدماً إن ده هيحصل، وبعدين ينزل يكفّر عن ذنب اللي بيحبه؟ المنطق هنا برضه فيه حلقة مفقودة!

حمادة: يا سيدي هي مسألة اختبار.. دار ابتلاء عشان يبان مين اللي هيطيع ومين اللي هيعصي. علم ربنا المسبق حاجة، وحرية إرادتك حاجة تانية. هو عارف هتعمل إيه بس سابلك الاختيار عشان “يقيم عليك الحجة”، عشان يوم القيامة ماتقولش “يارب دخلتني النار ليه من غير ما تديني فرصة أعمل حاجة”.

مخمخ: (بيضحك بسخرية) إقامة حجة؟ يا حمادة منطقك ده قاصر جداً! هو ربنا محتاج يثبت لحد إنه عادل؟ ما هو سبحانه ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾،﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾، وعنده العلم والسلطان المطلق ومش محتاج يبرر أفعاله لمخلوق! ليه يخلقني وهو عارف مسبقاً إني هفشل، ويقولي جبتك عشان أقيم عليك الحجة؟ كأنك بتعيد فيلم أنت حافظه صم ومستني البطل يغير رأيه في الآخر!

حمادة: دي حكمة إلهية عشان تظهر أسماء الله وصفاته زي “الرحمن، الرحيم، التواب، المنتقم، العدل”.. الصفات دي هتظهر إزاي من غير خلق يغلطوا ويتوبوا، أو يظلموا فيعاقبهم؟ والدنيا دي كلها بمآسيها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، أنت بس اللي باصص من خرم إبرة ومش شايف “الصورة الكاملة”.

مخمخ: (بيطقطق صوابعه) “الصورة الكاملة” اااااه .. ده الكارت السحري اللي بيطلع من كُم الساحر لما المنطق يخلص. يعني ملايين البشر اللي بيتفرموا في الحروب، والأطفال اللي بتموت في المجاعات، دول مجرد “كومبارس” في مسرحية عشان اللوحة الفنية تطلع حلوة؟ يا حمادة الأنبياء نفسهم شغلوا عقلهم وتعبتهم الأفكار! إبراهيم دور في الملكوت وقال ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾، ولما سأل عن إحياء الموتى قال ﴿وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. فلو العقل ده ملوش لازمة ومطلوب منه يبصم ويقول آمين وبس، ماكانش “الخالق” حطه في دماغي من الأول.

السؤال الثاني: طب هو ربنا موجود من إمتى؟ (فخ الزمكان)

حمادة: أهو كلامك ده اللي هيوديك في داهية وتخسر دنيتك وآخرتك! ناقص كمان تسألني السؤال الحرام إياه: “هو ربنا جه منين وموجود من إمتى؟” وساعتها هتبقى كفرت رسمي!

مخمخ: وماله لما نسأل؟ بس المرة دي أنا اللي هجاوبك بالعلم والمنطق يا حمادة عشان تبطل تخاف. السؤال ده أصلاً “مغالطة منطقية” وصياغته غلط من الأساس!

حمادة: غلط إزاي يعني؟

مخمخ: زي ما قال الدكتور مصطفى محمود الله يرحمه؛ “الزمان ” أحد مخلوقات ربنا، يعني يا حمادة دي قوانين اتخلقت عشان تدير الكون المادي بتاعنا. الخالق لا يخضع لقوانين ما خلق! يعني لو مهندس اخترع عربية بتمشي بالبنزين، ينفع نسأل هو المهندس ده بيمشي ببنزين أوكتان 92 ولا 95؟ قوانين العربية تسري على العربية، مش على صانعها.

حمادة: يعني إيه؟ مفيش زمن عند ربنا؟ أمال إيه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾؟

مخمخ: الله ينور عليك! ركز في اللفظ القرآني الدقيق: الآية قالت “عِندَ ربك”، ما قالتش “على ربك”! الزمن نسبي حتى في الفيزياء بتاعتنا، وهيُطبق علينا إحنا في الحياة الأبدية بمفهوم مختلف (عند ربك)، لكن المولى عز وجل منزه عن الزمان والمكان. كلمات زي “قبل” و”بعد” و”منذ متى” و”إلى متى” هي إحداثيات زمنية بتاعتنا إحنا جوه الصندوق، ما ينفعش تقيس بيها اللي بره الصندوق!

حمادة: انت أصلا عمال بتفسر على م ………

تدخل الراوي: حدود العقل.. واكتشاف “شفرة الرحمة”

(يتدخل الراوي د. محمد البري قاطعاً الحوار)

الراوي (محمد البري): بااااااس إنت وهو، بطلوا دوشة صدعتوني!

حمادة عنده حق في إن العبادة دي هدف لينا إحنا لاجتياز الامتحان، مش احتياج للمولى حاشاه. وعنده حق في مقولة الإمام الشافعي إن “للعقل حداً ينتهي إليه مثلما أن للبصر حداً ينتهي إليه”. لو جبت أذكى حيوان في العالم وقعدت عمرك كله تعلمه يقرأ رواية فلسفية، مش هيقدر؛ لأن جهازه العصبي له سقف.. وكذلك العقل البشري، هو مصمم للتعامل مع المادة والسببية داخل الزمكان، فلو حاول يقيس شيء خارج المادة والحدود المرسومة له ممكن مايوصلش لشيء.

والدليل إن سؤال “لماذا خلقنا الله؟” وقف أمامه حتى الملائكة! الملائكة في عالم الغيب (خارج الزمكان) قرأوا المستقبل (وفق بعض التفسيرات) وعرفوا إن الأرض هيكون فيها دم، فسألوا باستغراب: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾؟ فكان الرد الإلهي القاطع: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. الملائكة المُطَّلعين مش عارفين وبالمصري “مش فاهمين حاجة وبيخبطوا كف على كف”.. فالله اختص السبب الكامل لنفسه في عالم قد لا يخضع أصلاً لقانون السببية بتاعنا.

مخمخ: يعني إيه يا دكتور؟ نقفل الدماغ على كده ونقول عجزنا؟

الراوي (محمد البري): لا يا مخمخ! العقل البشري وإن كان عاجزاً عن الإحاطة بـ “الحقيقة المطلقة”، إلا أنه قادر يوصل لـ “الإجابة المنطقية “ عند أقصى حدوده.

أول خيط في الإجابة هو أن من أسماء الله الحسنى وصفاته الذاتية أنه «الخالق» ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾؛ ومقتضى صفة الخلق هو التنوع في المخلوقات. فلو اكتفى الوجود بالملائكة لكان الخلق نمطاً واحداً مبرمجاً على الطاعة بلا اختيار. لكن حكمة «الخالق» اقتضت إيجاد نوع آخر يملك “حرية الإرادة” وقابلية الضعف والسمو؛ لأن القيم العليا (كالشجاعة، والعفة، والكرم، والتوبة) لا يمكن أن تولد إلا في كائن يشعر بالخوف والشهوة والشُح ثم يختار بإرادته أن ينتصر على ضعفه، فيكون كماله المكتسب بالمجاهدة أسمى من طاعة الكائن المجبول الذي لا يملك خيار المعصية.

أما السر الثاني اللي غاب عنك وعن حمادة، واللي بيحل لغز “إقامة الحجة” اللي اعترضت عليه، فموجود في أول آية في المصحف: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾.

لاحظ إن بعد اسم (الله) مباشرة، لم يأتِ اسم “المنتقم” ولا “الجبار”، بل جاءت صفة الرحمة مكررة بصيغتين مختلفتين (الرحمن الرحيم) للتأكيد على مركزيتها المطلقة.

يا مخمخ، العدل لا يتناقض مع الرحمة، بل يتكامل معها. الله بعلمه المطلق عارف مين الصالح ومين الفاسد، ومش محتاج يختبرنا عشان يعرف، ولا محتاج يثبت لحد حاجة. لكن لو الله أدخل الأرواح لمصيرها وللعقاب مباشرة بناءً على علمه المسبق، كان الإنسان هيعيش أبدية من “العذاب النفسي الإضافي”؛ هيفضل يصرخ للأبد تحت وطأة الشعور بالظلم والقهر ويقول: “يا رب لو كنت اديتني فرصة مكنتش عملت كده!”.

من رحمة الله بعباده إنه عمل لنا التجربة المادية دي كـ “سجل أحداث” (Log File). كمبرمج ومصمم أنظمة، أحياناً بكون عارف سيناريو لتعامل المستخدم مع البرنامج هيطلع نتيجة غلط، بس بسيب البرنامج يطلع (Log) عشان المستخدم يشوف بعينه خطأه ويقتنع بيه، فما يحسش ان البرنامج فيه قصور.

الحياة الدنيا هي الـ (Log File) بتاعك؛ يوم القيامة هتقرأ كتابك بنفسك، فحتى لو نلت عقاباً، ستناله وأنت راضٍ ومقتنع تماماً، خالياً من مرارة الشعور بالظلم والقهر النفسي. التجربة هنا رحمة وليست ليعلم الله منها شيئاً، بل يرحمك الله بها من عذاب الشعور بالقهر أو الشك في عدالته!

معضلة تكافؤ الفرص: دورة الفرز ونتائج الإختبارات التراكمية للروح.

مخمخ: (عيونه بتلمع) الله! فكرة الـ (Log File) وإن التجربة رحمة تمنع العذاب النفسي دي دخلت دماغي جداً ومحتاجة تفكير أكثر! بس استنى يا دكتور.. هنا بتظهر معضلة تانية في “العدل”: إزاي الامتحان يكون عادل وفرص الطلاب مش متساوية؟

واحد مات وهو مراهق بعد البلوغ (عمر التكليف) بيومين، وواحد تاني عاش 80 سنة، كبر وعقل وتاب وتصدق؟ كأنك دخلت اتنين لجنة امتحان، واحد اديته 4 ساعات، والتاني سحبت منه الورقة بعد خمس دقايق! وواحد اتولد في بيئة إجرامية أو في جسد طفل إسرائيلي، وواحد اتولد في بيئة صالحة وهادية! فين تكافؤ الفرص هنا؟

الراوي (محمد البري): سؤال في الصميم يا مخمخ. المفسرون القدامى حاولوا يحلوها بفكرة “التقييم النسبي” أو تغليب “الفضل على العدل”، بس ده برضه بيخلي أي مؤمن يتمنى يموت بعد البلوغ بيوم عشان يهرب من الفتن!

عشان كده، لو بصينا لآيات القرآن بعين مختلفة، هنلاقي احتمال ميتافيزيقي مذهل يربط بين العدالة المطلقة وتكافؤ الفرص، وهو ما أسميه “دورة الفرز وتعدد التجارب”:

  • •
    نوافذ السياق المستقلة (Context Windows): تأمل قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾،(لاحظ تكرار الموت) وقوله: ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. ماذا لو كانت أرواحنا المتعددة تخضع لدورات حياة متعاقبة بدون ذاكرة سابقة؟ الأمر أشبه بنماذج الذكاء الاصطناعي في مرحلة ما قبل تذكر المحادثات؛ كل “نافذة سياق” (Context Window) هي محادثة مستقلة تماماً لا تتذكر شيئاً عن النافذة السابقة لأنه يتم عمل مسح للذاكرة المادية (Format) مع كل موتة، لكن “النموذج الأساسي” (الروح الفردية) هو نفسه الذي يختبر المواقف!
  • •
    معمل الفرز والمعدل التراكمي (GPA): بهذا المنظور، الدنيا ليست مدرسة للتعلم (لأن الذاكرة تُمحى)، بل هي “معمل فرز” ؛ ﴿حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. تخيل أن الأرواح كالطلاب في الجامعة؛ لا يمكن تقييم طالب من امتحان واحد مدته خمس دقائق. العدالة تقتضي إخضاعهم لامتحانات في مواد متعددة وظروف مختلفة (تارة غنياً، تارة فقيراً، تارة يموت شاباً، وتارة يُعمّر، تارة في مجتمع صالح، وتارة في مجتمع فاسد). إذا أخفق في مادة، فالاختبارات كثيرة، والعبرة في النهاية بـ “المعدل التراكمي”. مستحيل يتساوى كل الطلاب في التراكمي بعد مرورهم بنفس الظروف، وهنا تتحقق العدالة المطلقة على المدى البعيد!
  • •
    منبع النفس الواحدة وتبادل الأدوار: نحن لسنا روحاً واحدة مكررة، بل أرواح متعددة انبثقت من أصل واحد ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، لكن كل روح مستقلة قد تتقلب عبر دوراتها في قوالب  وظروف متباينة؛ فتارة تُختبر في موضع الحاكم وتارة في موضع المحكوم، تارة في بيئة صالحة وتارة في بيئة مجرمة. هذا الإدراك ينسف الكراهية والعنصرية من جذورها، ويجعلنا نطبق العدالة بـ “رحمة” دون حقد، لإدراكنا أن كل روح تخوض نفس مسارات الابتلاء لتحقيق عدالة التجربة!

معضلة إبليس وأبدية النار: لماذا لا يصلحنا الله بـ «كُن فيكون»؟

مخمخ: (وهو يقطب جبينه بتركيز) كلامك عن “تنوع الخلق” و”دورة الفرز” سد ثغرة كبيرة يا دكتور، بس فتح في دماغي سؤالين أصعب من بعض!

الأول: ليه ربنا من البداية يخلق فصيل عاصي بالكامل زي “إبليس” ومصيره جهنم ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾؟ لو إبليس اتخلق كجزء من خطة الاختبار عشان يفتننا، طب ما هو كده بيطيع ربنا وبينفذ دوره في الامتحان! إزاي يتحول لرمز للشر ويتعاقب؟ وأصلاً ليه ربنا يعذب أي كائن ضعيف أخطأ، مع إن أمره ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾؟ كلمة “كُن” واحدة كفيلة تصلح خلل النفوس من غير لا نار ولا عذاب!

والسؤال التاني: حسب السيناريو بتاعك لو روح كفرت في تجربة عشان اتولدت في بيئة مشوهة، وممكن في فرصة تانية لو قابلت رسول أو داعي مخلص يرق قلبها وتؤمن.. إزاي “الرحمن الرحيم” يعذب الإنسان في جهنم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾؟

حمادة: (يضرب كفاً بكف) يا نهار أبيض! إنت عايز تطلّع إبليس مظلوم وتلغي النار كمان يا مخمخ؟! بص يادكتور سيبلي الاخ ده امسك في رقبته انا حافظه مش هاتخلص منه .. وخش نام انت على ما أخلصلك عليه.

الراوي (محمد البري): اهدى يا حمادة، الأسئلة دي هي اللي حيرت كبار الفلاسفة وعلماء الكلام في تاريخنا الإسلامي، وإجابتها المنطقية والتاريخية بتكمل باقي قطع “البازل” في رحلتنا:

  • •
    لماذا لا يصلحنا الله بكلمة «كُن فيكون» بلا عذاب؟ لأن الله حين أراد بمقتضى اسمه «الخالق» إيجاد كائنات حرة الإرادة، أصبحت هذه الحرية جزءاً من ماهيتها. لو تدخل الله بكلمة ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ ليغير قناعات روح شريرة قسراً ويجعلها طيبة دون أن تمر بدورة المواجهة والتطهير، فإنه بذلك يمحو هويتها الواعية ويحولها إلى كائن مسيّر كالملائكة! فحرية الإرادة لا تقبل الإصلاح الجبري من الخارج، بل لابد أن تمر الروح بدورة التجربة وتحمل نتيجتها لتدرك الحقيقة بذاتها.
  • •
    أكذوبة “إبليس المطيع” والفرق بينه وبين آدم: كون الله خارج الزمان لا يوجد في حقه “قبل وبعد”، فعلمه الأزلي “يكشف” ما ستختاره المخلوقات بحريتها ولا “يجبرها” عليه. الدليل القرآني القاطع أن آدم وإبليس كليهما عصى أمر الله! فلماذا لم يصبح آدم شيطاناً؟ انظر لرد الفعل: آدم اعترف بمسؤولية حريته وقال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا﴾ فتاب وارتقى، أما إبليس فاستكبر ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ﴾، ثم استخدم نفس الحجة الجبرية متهماً الخالق: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾! إبليس لم يغوِ البشر “طاعةً لله” أو خدمةً للامتحان، بل طلب الإمهال بدافع الحقد والكِبر الشخصي ﴿أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾. الله لم يخلق الشر، بل خلق الحرية، وحين اختار إبليس التمرد بملء إرادته، وظّف الله تمرده في سُنّة التدافع والابتلاء، ثم حسم مصيره العادل: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾، وهو ما يقرّ به إبليس نفسه في خطبته الشهيرة يوم القيامة: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ… فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم﴾.
  • •
    من هو «الكافر» حقاً؟ (تأصيل الإمام الغزالي): الروح التي ترفض الدين لأنها وُلدت في بيئة مشوهة، ولو التقت بداعٍ مخلص لرقّ قلبها وآمنت، ليست “كافرة” في ميزان العدل الإلهي! فكلمة (كَفَرَ) في اللغة والقرآن تعني “غطّى الحق وستره بعد رؤيته واليقين به” بدافع الكِبر والمصلحة: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾. وقد حرر حجة الإسلام أبو حامد الغزالي هذه القضية في كتابه الشهير (فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة)، فقرر أن كل من لم تبلغه الرسالة بصورتها النقية الصحيحة معذورٌ غير مؤاخذ، تحقيقاً للقاعدة القرآنية الحاسمة: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾.
  • •
    أبدية النار بين «خُلف الوعيد» وحقيقة «فناء النار» في التراث: أما الأرواح التي أصرت على الظلم والإجرام بعد كل الفرص، فكيف يتفق عذابها مع ﴿الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾؟ هنا يفاجئنا التراث الإسلامي بمخرجين: الأول هو مذهب «جواز خُلف الوعيد» عند كبار المتكلمين (كالأشعري والفخر الرازي، وهو ما استند إليه معاصراً د. علي جمعة)، ومفاده أن الله وعد بالجنة وتوعّد بالنار، وعند العرب “إخلاف الوعد لؤم، وإخلاف الوعيد كرم وعفو”، فالقرآن قال ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ ولم يقل لا يخلف الوعيد! ولكن لأن إلغاء العقاب تماماً قد يصطدم بعدالة الاقتصاص من الطغاة، يظهر المخرج الأعمق والأقوى تاريخياً ونصياً، وهو قول أئمة كبار مثل ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في كتابيه (حادي الأرواح) و(شفاء العليل) بـ «فناء النار»، استناداً لآثار صريحة عن الصحابة كـ عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم (كقول عمر: “لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون فيه”).
    تأمل دقة القرآن في سورة هود؛ فعند الحديث عن أهل النار قال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ فقيّد بقاءها بمشيئته، بينما في الآية التالية مباشرة عن أهل الجنة قال: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۖ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوزٍ﴾ أي غير مقطوع أبداً! وفي سورة النبأ وصف مدة النار بقوله: ﴿لَّابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾، والأحقاب أزمان محدودة تنتهي مهما طالت، ويكون معنى “الخلود” هو المكوث فيها طوال مدة بقاء النار نفسها قبل فنائها.
    وحتى لغوياً، فإن “المؤبد” في السجون العربية (25 سنة وليس حتى الموت)، يظهر لنا أن “الأبد” في اللغة البشرية نفسها مفهوم نسبي، فكيف نقيس به أبدية الله!؟
    وفوق ذلك، فعالم الأبدية تختلف قوانينه وإحساسه عن أجسادنا الترابية الفانية: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾، ﴿وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، ونار الآخرة ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ هي في جوهرها مصهرٌ روحي وكيّ علاجي (كما يصفها ابن القيم وابن عربي) لاقتلاع خبث الأنا والظلم وإيفاء حقوق المظلومين؛ فإذا أدّت النار غايتها وتطهرت الأرواح(الأفئدة)، تنتهي النار ويزول العذاب، ليبقى في الوجود الأبدي مقتضى قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾!

رأي الذكاء الاصطناعي وفيزياء الوجود: حائط السد بين العقل والعدم

حين يتجاوز العقل حدود الزمكان للبحث عن الحقيقة، يقف الجميع أمام حائط سد حتمي:

  • •
    في الفلسفات الشرقية (البوذية): هربوا من سؤال “لماذا خُلقنا؟” باعتبار الوجود حلقة مفرغة من المعاناة والتناسخ (سامسارا) تحركها الكارما، وجعلوا السؤال الوحيد هو “كيف ننجو؟”.
  • •
    في المعضلة المادية للإلحاد: يقف الملحد عاجزاً أمام سؤال البداية؛ فحتى لو افترضنا ظهور الكون من تقلبات الفراغ الكمي أو الصدفة، يبقى السؤال الفلسفي الأبدي الذي لا مفر منه: من أين نشأ هذا الفراغ أصلاً؟ ومن الذي سنّ له هذه القوانين الصارمة؟
❝ عند حدود الزمكان يفترق الطريقان؛ الملحد يصطدم بحائط الفيزياء عاجزاً عن تفسير أصل الوجود وقوانينه، بينما المؤمن المتدبر يتفكر بحكمة الخلق (الرحمة والعدل)، فيطمئن قلبه بالغاية، ويترك تفاصيل الكيفية لعالم الغيب والشهادة. ❞

الفرق أننا حين نُعمل عقولنا بتدبر، لا نعود صفر اليدين. فقد نصل يوما للاحتمالات قد تريح أفكارنا قليلاً وهي:

نحن لسنا هنا لأن الله يحتاج لعبادتنا، ولا لنكون ديكوراً في مسرحية عبثية. نحن هنا تحقيقاً لمقتضى اسم «الخالق» في تنوع الوجود وحرية الإرادة، وفي “رحمة متجسدة”؛ نخوض دورة تجربة وتطهير عادلة، ربما عبر نوافذ سياق متعددة ومعدل تراكمي دقيق، لنكتب سجلنا بأيدينا فنُعفى من القهر النفسي والشعور بالظلم، حتى ينتهي المطاف بالوجود كله إلى سعة الرحمة الإلهية.

تصنيف المقالة ومنهجيتها: هذه المقالة هي أطروحة “فلسفية تحليلية” تجيب عن تساؤلات المؤمنين بشكل احتمالي لا تأكيدي؛ فمسائل الميتافيزيقا (ما وراء الطبيعة) تقع خارج نطاق الرصد المادي ويستحيل إثباتها معملياً، كما أن تفسير وتأويل الآيات القرآنية المتعلقة بها يخضع لسعة الاجتهاد الفكري ولا ينحصر في رأي بشري واحد ثابت. جميع الأطروحات الواردة هنا هي قراءات واحتمالات منطقية من ضمن احتمالات أخرى كثيرة، لا ندّعي جزمها، بل نهدف بها إلى توسيع المدارك وفتح آفاق التدبر للإجابة عن سؤال: “لماذا؟”.
أما التفاصيل اليقينية لكيفية عمل أرواحنا وحقيقة الغيب المطلقة، فنتركها بكل تسليم لمن قال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، ونحن مطمئنون أن من افتتح كتابه بـ “الرحمن الرحيم” لن يظلم مثقال ذرة.

  • اسم الكاتب:

    دكتور محمد البري

    أستاذ مساعد – كلية فنون رقمية

    دكتوراه بفلسفة الفنون للجرافيك. باحث ومتخصص في الويب والتصميم، وحاصل على جوائز محلية ودولية بالرسم والتصميم.

    تمت بحمد الله،،

[Total: 1 Average: 5]
Chat
زتونة - NAB Ai
محادثة جديدة ✕